كلمة الدكتور فؤاد ابراهيم في الدور السعودي

 

كلمة الدكتور فؤاد ابراهيم في دار الحكمة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله والصلاة والسلام على خير الخلق محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، واصحابه المنتجبين.
كمقدمة تعريفية لهذه المشكلة مشكلة الطائفية في المنطقة، نحن بحاجة الى توصيف الدولة السعودية، من اي زاوية نحاول ان ندرسها او من اي موضوع نحاول ان نقاربه.

في الموضوع السعودي يجب ان نسلط الضوء على مصدرين: قوة هذا النظام المال والدين، الاديولوجيا والقوة الاقتصادية هذان المصدران يرسمان سياسة السعودية الداخلية والخارجية، يحددان مواقف السعودية اتجاه الاخرين، تشكل رؤية السعودية لذاتها وللاخرين، وبالتالي هذان المصدران: هما ركيزة الدولة السعودية في اي مرحلة من المراحل، وبالتالي هذان ربما يمكن القول انهما الهوية التي يمكن ان يطفئها اي سياسة تتبناها السعودية في اي مرحلة، حينما نتحدث عن مصادر القوة ايضا نتحدث عن مصادر الضعف، سأربط بين هذه المصادر من اجل الدخول في موضوع الطائفية. لان هي في الواقع لها صلة وثيقة بمصادر القوة
والضعف في الدولة السعودية، مصادر ضعف الدولة السعودية ان ما نشئ في عام 1932 هو سلطة في هيئة دولة، استفادة السعودية من هذان المصدرين الدين كعامل توحيد لمنطقة ،ولكنه في المقابل هو عامل ند وتقسيم في المناطق الاخرى.
الاديولوجيا الوهابية كانت عامل توحيد لقبائل نجد المتناحرة، بينما حين يريد استعمال هذا المكون في بناء هوية الدولة السعودية تحول هذا العامل الى عامل تقسيم، وبالتالي لم تنشأ هناك دولة وطنية؛ لان العامل الديني لم يكن مكون وطنيا، لم يساعد في انشأ الدولة الوطنية، ولذلك جرى استعمال العامل الديني بطريقة تخدم وحدة السلطة المركزية، على اساس انقسام المجتمع، ايضا حينما نتحدث عن هذا العامل يجب ان نرفقه بالعامل المالي الاقتصادي؛ لان من غير الممكن ان تمارس السعودية سياسة خارجية دون ان تمتلك قدرة مالية تتيح لها بناء شبكة علاقات، بتحالفات خارجية وايضا بناء النفوذ في المحيط الخارجية.
السعودية في حقيقة الامر باعتبارها دولة غير وطنية اي لم تتأسس على اساس وطني، بحيث يتم دمج المكونات والمناطق الاخرى في السلطة، بحيث تأسس بالمفهوم الدولة الوطنية الحديثة اعتمدت هذا الاسلوب على طول الخط، بمعنى ان مصدر قوتها مصدر وحدة السلطة هو نفس مصدر ضعفها، الذي يمكن ان يأسس الى انقسام الدولة السعودية، بمعنى ان اليوم ليس هناك شيء في السعودية اسمه دولة وطنية، ليس هناك شيء اسمه وطن في هذا البلد، هناك سلطة في هيئة دولة، وهذه الدولة او هذه السلطة يمكن في اي لحظة من اللحظات في حال تضعضع المصدر المالي القوة الاقتصادية، وفي حال انهيار الاديولوجيا الدينية المؤسسة لهذه السلطة، يمكن ان تؤول في نهاية المطاف الى تفكك وتبعثر هذا الكيان.
بالنسبة الى الطائفية اليوم، لا يمكن ان تلعب السعودية دورا وطنيا، ولذلك في الخطاب الي تتبناه في الداخل، هو يمكن ان ينعكس في الخارج، هذا الخطاب في الداخل هو خطاب طائفي، لان الاديولوجية الدينية المشرعنة لدولة هي اديولوجية قائمة على انقسام المجتمع، ان هذه الاديولوجية تنظر الى الاخر في الداخل، تنظر الى الشيعة، تنظر الى الصوفية والاسماعلية، وباقي المكونات المذهبية الاخرى، باعتبارها مكونات غير دينية، بمعنى ان هذه الطوائف لا تنتمي الى الاسلام الصحيح، لا تنتمى الى اهل التوحيد كما يحبون ان يوصفوا انفسهم، هذه نفس الرؤية اتجاه الاخر في الداخل هي نفسها منعكس في الخارج، ولذلك اليوم الجماعات التي تعمل في الميدان السوري، من داعش الى النصرة الى الجبهة الاسلامية بكل الالوية المنضمة داخل، وايضا كل الجماعات التي تنتمي عقديا او تنظيما او تسلحا للقاعدة مرجعيتها الدينية والعقدية هي الوهابية، وهذه المرجعية في تكوينها وفي رؤيتها لآخر هي رؤية طائفية، هي تنظر اليه باعتباره الاخر مشركا مبتدعا كافرا، ولذلك هذه العمليات الانتحارية التي تجري داخل سوريا او في العراق او في لبنان او في اليمن، هي قائمة على رؤية دينية اتجاه الاخر ان الاخر ليس مسلما؛ وبالتالي كل من لا ينتمي الى هذه العقيدة يعتبر هدفا مشروعا، يعني الانتحاري الذي يأتي ويفجر نفسه في شارع ملئ بالمدنين، او في محل تجاري او في مدرسة او في روضة او في سوق هو جاء بخلفية دينية، ان من امامه هو في الواقع مجموعة من الكفار مجموعة من المشركين، الذي ممكن ان يحقق بهم هدفا دينيا، وبتالي يذهب بقتلهم الى الجنة، هذه رؤية هي موجودة في الواقع عند كل الجماعات المسلحة الموجودة اليوم على الساحة ،سواء في سوريا في العراق في لبنان في اليمن او في اي مكان اخر او حتى في افغانستان وفي باكستان وغيره، هذه الرؤية التي يجب ان نعود بجذورها الى حيث تشكل الخطاب الدينية في السعودية.
حينما نعود الى الادبيات والى المصادر الفكرية للجماعات المسلحة ولتنظيم القاعدة وغيرها، سوف نجد ان الجذر الفكري او المنبع الفكري لهذه الجماعات هو في تلك المنطقة، هو يستمد افكاره يستمد الرؤى الدينية رؤيته للآخر الرؤى الكونية حتى الاتجاه الاخر هو يستمدها من المرجعيات، التي تشكلت منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم، اي منذ تأسيس شيخ محمد عبدالوهاب لهذه العقيدة القائمة على أساس الثالوث، تكفير الآخر، ثم الهجرة اي بناء المجتمع المضاد كما يقال اي باعتزال المجتمع الكافر، ثم اعلان الجهاد ضد هذا المجتمع، الذي يراد تحويله ايضا الى مجتمع مؤمن، هذه نفس التجربة التي عاشها ايضا محمد بن عبدالوهاب، وحاول ان يطفئ عليها بعدا رسوليا، بمعنى انه يمثل نبيا كما لو انه يستعيد تجربة الرسالة الاولى هجرة المسلمين من مكة الى المدينة؛ وبالتالي هو ايضا ينظر الى الآخر باعتبار ان المحيط العام هو محيط جاهلي، ويجب هجرانه واعتزاله، ثم اعلان الجهاد عليه، فبتالي نحن امام ثلاث اركان لهذه العقيدة هي: التكفير، والهجرة، والجهاد، هذه التشكيلات التي قامت في المشرق العربي، عموما سواء في العراق او في سوريا او لبنان، ومفهوم الامارة التي تأسست هي في الواقع قائمة على اساس رؤية اتجاه الاخر، ان الامارة الاسلامية التي تتشكل انما هي تتشكل ضمن بيئة مختلفة تماما، بيئة تنظر للآخر باعتباره كافرا، وان الامارات الاسلامية الامارات التي تتشكل في هذه المناطق التي تعتبر ان المحيط العام هو محيط جاهلي، وان هذه تكون نواة لتشكيل الدولة الاسلامية او الخلافة الاسلامية كما يراد ان يشاع.
هذه الافكار التي انتشرت اليوم والتي بات من الصعوبة امكان السيطرة عليها، ما لم تتم المراجعة الحقيقة وتحديد ووضع الاصبع على المكان التي يجب ان يشار اليه بصورة صريحة وجريئة، اعتقد اليوم المنبع الفكري والاديولوجي لتنظيمات هي تتبنى الخطاب الطائفي اساسا، وتتبنى الخطاب التكفيري الذي هو في الاصل هو خطاب طائفي، مالم يعاد النظر في تلك المرجعيات الفكرية فستبقى هذه الجماعات تتناسل، سواء في العراق او في سوريا او في لبنان او في اي بيئة، يمكن ان تتولد او ان تتشكل في اي مرحلة من المراحل، بالأمس العراق واليوم سوريا غدا ربما اليوم في اي منطقة، يمكن ان تجد فيها ارضا بما يسمى ارضربات، لما يسمى لهؤلاء الذين جاؤوا من كل اصعاق العالم ليشكلوا او ليجسدوا هذه العقيدة التي هي في الاصل جذورها في وسط الجزيرة العربية.
موضوع الطائفة اليوم: اصبح هناك ماأشبه بالتداخل بين الطائفة والارهاب والتكفير، بحيث ان ضاعت المعالم، حتى الجلاد بات يصور نفسه ويقدم نفسه للعالم باعتباره ضحية، كما تفعل السعودية التي نمت الاشباح والوحوش ثم واجهت اضرار واخطار هؤلاء فيما بعد، قدمت نفسها ضحية خصوصا بعد ما واجهت الهجمة الدولية بعد 2001 بعد هجمات 11 سبتمبر في 2001، لاحظنا ان هذه السعودية التي وصفوها 2003 باعتبارها بؤر لشر بحسب اعضاء الكونكرس، تحولت في 2003 الى دولة ضحية بعد ان بدأت القاعدة تنفذ هجمات داخل السعودية، ولكن نسى العالم وهذا النسيان ربما عاد الى تقصير الضحايا ان يعكسوا قضيتهم، كما حصل في العراق الوثائق التي تم الكشف عنها في اغسطس الماضي من قبل الصحف العراقية، وتقارير التي اعلن عنها السفير الامريكي ديبت هيل في العراق، وعن تورط السعودية في التوتر الامني والتصعيد الطائفي في العراق، هذا ربما شكل بداية لكشف عن بعض ما يخفي، ربما المسؤولون العراقيون حتى اليوم والذين ينئون الكشف عنه؛ ربما لأسباب خاصة شخصية، او ربما على امل تعاد تصحيح العلاقة مع السعودية،
اليوم هناك ما يشبه الاجماع الخفي بين دول العالم قاطبة على ان الدولة السعودية هي الدولة الراعية لارهاب، من خلال وجود هذه الجماعات المسلحة المرتبطة سواء بتنظيمات القاعدة، او المجموعات التي تشكلت في سوريا في ظل الازمة ورعتها بالمال والسلاح، وحتى بالدعم السياسي والاعلامي، الى درجة هذه الجبهة الاسلامية التي قدمتها السعودية باعتبارها الصفوة المعتدلة من بين هؤلاء الجماعة، اليوم هناك تشكيكات من قبل الامريكيين والاوربيين انفسهم، بحيث بدأت هذه الطلبات من الولايات المتحدة الامريكية وغيرها، بحسب التقارير التي تصدر من معهد الدراسات ان يجب التخلي عن هؤلاء عن الجبهة الاسلامية، لان الفارق بين الجبهة الاسلامية والنصرة وداعش بات صفرا تقيما، لان ما اعلون عنه قادة هؤلاء الالوية او الكتائب المنضوية في الجبهة الاسلامية كان كفيلا ان يكشف حقيقة هؤلاء، لان من غير الممكن الجبهة الاسلامية تدعو الى قيام دولة دينية في ظل انقسام، وتنوع طائفي وقومي في سوريا، فبتالي هناك خشية لدى الغرب ان تربية او تنمية او دعم مثل هذه الجماعات، قد يؤدي في نهاية المطاف الى بناء او تشكيل جيش يتحول الى مصدر تهديد لأمن واستقرار المنطقة، ولمصالح الغرب الذي هو قرر ان يدعم هذه الجماعات.
السعودية اليوم هي تلعب بالخطاب الطائفي، بان هذا السلاح الوحيد وربما يكون الاخير، الذي بعد ان يستنزف اغراضه ولن يستنزف اغراضه الا بعد ان يحصد مئات الالف من الضحايا، كما نشهد اليوم والكثير من الشباب المغرر بهم يقعون ضحية لمثل هذا الخطاب، سواء في العراق سوريا لبنان اليمن واماكن اخرى، هذا الخطاب ينمى بدعم من السعودية، ومن مشايخ يغذون هذا الخطاب، ويتحدثون باللغة الطائفية المقيت، هذا الخطاب الطائفي اصبح مصبوغا بالون الدم واليوم يحصد الآلف وعشرات الآلف من، وستيبقى الماكينة الطائفية فاعلة طالما ان هناك من لا يريد ان يوجه اصابع الاتهام الى الجهة المسؤولة، عن تغذيت هذا الخطاب الطائفي، والسعودية هي المسؤولة عن دماء مئات الآلف من الابرياء الذين سقطوا، سواء في العراق وسوريا ولبنان وفي غيرها، وربما يكون هناك احاديث طويلة في مرحلة لاحقة عن الآثار التدميرية لهذا الخطاب، وآلية التخلص منه، لان من غير الممكن لو كان الامر متعلق بالجانب العسكري والميداني لقلنا ان ممكن احتوائه، هذه النتائج ولكن تنعكس وتحفر في النفوس، ستترك اثرا طويلا جدا في العلاقات البينية داخل المجتمع الاسلامي، حتى في مواقف الجماعات والقوة السياسية، حتى بما فيها القوة الداعمة من اهل الاصلاح والتغير في هذه الامة.